العيد في غزة… حين يأتي الفرح مثقّلًا بالفقد
بين خيام النزوح وغياب الأحبة، يستقبل الغزيون الأعياد بقلوب أنهكتها الحرب… فيما يكبر الأيتام على معنى العيد دون آبائهم.
في غزة، لم تعد الأعياد كما كانت.
لم يعد صباح العيد يبدأ بثياب جديدة، ولا برائحة الكعك، ولا بضحكات الأطفال وهم يركضون بين البيوت. بعد الحرب، صار العيد موعدًا آخر لاختبار الفقد، ومرآةً كبيرة تعكس حجم الغياب الذي تركته المآسي في كل بيت.
هناك، حيث تحوّلت المنازل إلى ركام، والخيام إلى مأوى مؤقت لا يشبه الحياة، يأتي العيد على العائلات التي فقدت أبناءها وآباءها وأرزاقها كضيف ثقيل. كثيرون يستقبلونه بذاكرة مثقلة: هذا أول عيد بلا أب، أو أم، أو أخ، أو بيت كان يجمع العائلة.
بدلًا من زيارات التهنئة، هناك زيارات إلى القبور… أو إلى أماكن كانت يومًا منازل.
تبرعك اليوم أملٌ لإخوانك، فلا تنسَ دعمهم
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
أما الأطفال الأيتام، فهم الوجه الأكثر ألمًا في حكاية العيد بعد الحرب.
أطفال كانوا ينتظرون “العيدية” من آبائهم، أو أيديهم التي كانت تمسكهم في صلاة العيد، يجدون أنفسهم اليوم أمام فراغ لا يملؤه شيء. قد يحصل بعضهم على لعبة من مؤسسة إغاثية، أو قطعة حلوى، لكن ذلك لا يعوّض حضنًا غاب، ولا صوتًا لن يعود. يكبر هؤلاء الأطفال سريعًا، لا لأن الزمن مرّ، بل لأن الحرب سرقت منهم طفولتهم مبكرًا.
وفي المخيمات، تحاول الأمهات أن تصنع من القليل عيدًا لأطفالها؛ ترتب ما توفر من ملابس، تخفي دموعها، وتبتسم رغم الخسارة، فقط كي لا يشعر الصغار أن العيد مات بالكامل. لكنه عيد مختلف… عيد يختلط فيه التكبير بالبكاء، والفرح بالصبر، والذكريات بالدعاء.
في غزة، العيد بعد الحرب ليس مناسبة للبهجة الكاملة، بل مساحة يتمسك فيها الناس بما تبقى من إنسانيتهم.
ورغم كل شيء، يحاول الغزيون أن يزرعوا في قلوب أطفالهم معنى الأمل، لأنهم يعرفون أن النجاة وحدها لا تكفي… لا بد من سبب يجعلهم يستمرون.
فالعيد في غزة اليوم ليس كما كان، لكنه يبقى شاهدًا على شعب يعرف كيف يحاول الحياة، حتى وسط كل هذا الألم.


